عبد الوهاب الشعراني
17
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
وكان يقول : يا ولدي إن كنت صادقا فلا تصحب غير شيخك واصبر على جفاه فإنه ربما امتحنك بترك ما تحب يريد بك الخير ، وتكون محلّا لأسراره ، ومطلعا لأنواره . وكان يقول : المريد الصادق مع شيخه ، كالميت مع مغسله لا كلام ولا حركة ، ولا يقدر ينطق بين يديه من هيبته ، ولا يدخل ، ولا يخرج ، ولا يخالط أحدا ، ولا يشتغل بعلم ، ولا قرآن ، ولا ذكر إلا بإذنه ، لأنه أمين على المريد فيما يرقيه ، ورب عمل فاصل دخلته النفس فصار مفضولا . ثم يقول : هكذا كانت طريقة الخلف والسلف مع أشياخهم ، فإن الشيخ هو والد السر في اصطلاحهم ويجب على الولد عدم العقوق لوالده وليس للعقوق ضابط يرجع إليه ، إنما الأمر عام في سائر الأحوال ، وما جعلوه إلا كالميت بين يدي الغاسل . فعليك يا ولدي بطاعة والدك المذكور وقدمه في كل أمر لك بأوامر اللّه على والد الجسم ، فإن والد السر أنفع من والد الجسم ، وذلك لأن والد السر يأخذ الولد كأنه قطعة حديد جامد ، فلا يزال يسكبه ، ويذيبه ، ويقطره ، ويلقي عليه من سر الصنعة سرا حتى يجعله ذهبا إبريزا . قال : وقد صحب كثير من الناس الأشياخ بلا أدب فماتوا ولم ينتفعوا منهم بشيء ، وبعضهم مقت آه آه آه من صدور الرجال ومن صحبة الأضداد ومن سماع المريد المحال . ومن شأنه أن لا يلتفت لشيء من الدنيا بعد أن جمعه اللّه على شيخه فإن بين يديه جميع ما قسم للمريد من الدنيا والآخرة . وقد كان سيدي علي بن وفا رحمه اللّه يقول : إن وجدت أستاذك المحقق فقد وجدت حقيقتك ، وإذا وجدت حقيقتك وجدت اللّه عندها ، وإذا وجدت اللّه عندها وجدت كل شيء ، فليس كل المراد إلا في وجد هذا الأستاذ . فافهم تغنم . وكان يقول : إذا صدق المريد صار عين أستاذه . وكان يقول : أنت على الصورة التي تشهد أستاذك عليها ، فاشهد ما شئت وانظر ماذا ترى ، إن شهدته منافقا فأنت منافق ، وإن شهدته مخلصا فأنت مخلص ، لأنه مرآتك ، ولا ترى في المرآة إلا صورتك لا جرم المرآة . وكان يقول : ما الأمر إلا أن تجد أستاذك وقد وجدت مرادك ، هنّأ اللّه فؤادك . وكان يقول : ليس للمريد أن يحكي ما يقع له مع شيخه ، فقد لا يؤمن من يحكي وقائعه